+972 2 277 5445

Search our Site


هل كان خيار حل الدولتين "في الماضي" أصلاً، كي يُقال أنه "بات من الماضي"!

الدكتور حسين أبو النمل، باحث في الشؤون الإسرائيلية

 المصدر: مركز القدس للدراسات السياسية·- 28 تموز 2017

هذه المطالعة الهامة من قبل د. حسين أبو النمل - الذي يعتبر لمن لا يعلم  -من أهم إن لم يكن أهم باحث فلسطيني وعلى المستوى العربي في الاقتصاد الإسرائيلي والشؤون الإسرائيليةـ تشكل هذه المطالعة جردة حساب ومحاكمة منهجية علمية صارمة لكل مسار التسوية والمفاوضات وما قمت عليها من فرضيات.  يقوم د. حسين أبو النمل في مطالعته بتفكيك المقاربات الفلسطينية منهجيا وسياسيا ويعيد بناء منطق الصراع باقتدار. إنها مطالعة حاسمة وأكثر من ضرورية لجميع المستويات السياسية والقيادية الفلسطينية، التي عليها ومن واجبها أن تحترم ما تبدعه عقول الكفاءات الفلسطينية المتخصصة التي لا تسقط في مصيدة الديماغوجيا والخطاب العام الذي لا يقول شيئا.   وحسين أبو النمل ليس مجرد باحث بل هو ابن التجربة النضالية الفلسطينية، لهذا فهو لا يكتب كباحث منعزل في كرسي جامعي، بل يكتب ويبحث وهو يخوض في الميدان السياسي بما هو الفلسطيني اللاجئ من "عرب الهيب" الذي اقتلع من أرضه عام 1948  فعاش كل ويلات المنفى.

أتمنى أن تحظى هذه المطالعة بالاهتمام والتفاعل والنقاش العميق والعالي الذي يليق بما تطرحه من أسئلة ومقاربات غاية في الدقة، وأيضا بما يليق من احترام للجهد والعقل الذي أنتجها.

 

قُدمت ورقة العمل هذه في مؤتمر «حلّ الدولتين» وما يستتبعه: التصورات الموازية لمستقبل ...القضية الفلسطينية وإمكانيات التسوية، الذي نظمه مركز القدس بالتعاون مع بيت المستقبل ومؤسسة كونراد أديناور في الفترة من 9- 10 حزيران/يونيو 2017 – لبنان – بكفيا].

***

يدور نشاط هذا المؤتمر الكريم تحت عنوان عريض جداً هو خيار "حل الدولتين" في فلسطين، وما أصابه قولاً وعملاً من اهتزاز استحق معه سؤال مُنظِّمي النشاط لناحية: [هل بات خيار "حل الدولتين" من الماضي؟]، الذي طُرِح بتحفيز مجموعة تحولات تُبرِّر السؤال السابق، وتفتح الباب واسِعاً على شتَّى الاحتمالات في الإقليم.

(1) هل تم في الماضي تحديد "المستقبل"، الذي صار وراءنا، ونحن نتوهَّم أنه لا زال أمامنا!

حدَّدَ السادة منظمو هذا المؤتمر مُساهمتي في "الجلسة السادسة: الاحتمالات والتصوُّرات في ظِل الواقِع الجديد"، وهي بذلك استشرافية لمستقبل، عبثاً نُبحِر فيه بنجاح إن لم نعرِف موطئ قدمنا في الماضي والحاضِر، الذي قالت كلمة الحياة أننا لا نعرِف عنهما الكثير بدليل مـُفاجآت لم تنقطِع، من نتائج حربي 1948 و1967، إلى زيارة السادات للقدس عام 1977، وختاماً مع رُباعي: (أ) الربيع العربي؛ (ب) ظاهرة داعش؛ (ج) نتائج الانتخابات الأميركية، التي كادت تتكرَّر في غير مكان بأوروبا؛ (د) شبه موت "حل الدولتين"، ورفض خيار "الدولة الواحدة"، أو "ثُنائية القومية"، التي ظُنَّ أنها الوريث الشرعي والوحيد لحل الدولتين، وقد مات أو كاد!

وعليه، فأن النقطة الاستشرافية الأولى والأخطر التي يُمكن تسجيلها الآن هي استمرار شِبه العجز العربي والفلسطيني عن استشراف المستقبل، وذلك لجهلنا ماضينا وحاضرنا. جَهلٌ يعود لأسباب تأسيسية ومُتكرِّرة، تاريخية وراهنة، على ما أسلفت، فكانت سلسلة مُفاجآت لنا وآخرها شِبه موت "حل الدولتين"، ما يَطرح سؤالاً حول مَنْهجية وكيفية الاستشراف المطلوب، الذي يُصبح مُجرَّد رياضة ذهنية، إن لم يستند إلى معرفة عميقة ودقيقة بما نحن عليه ماضياً وراهِناً، حيث تَمَّت سلفاً صناعة "مستقبل" صار بدوره وراءنا، ونحن نتوهم أنه لا زال أمامنا!

استطراداً لما تقدَّم، ثمة نقطة منهجية إضافية حول مآل "حل الدولتين"، هي مدى دِقة وشمولية عناصر تراجعه، كما عرضت لها الورقة المفتاحية للمؤتمر، التي تحدثت عن "التأثير المتراكم لعوامل فاعلة" أهمها خمسة، هي:

(أ) مَيْل إسرائيل نُخبة وحكومة للتشدد الديني والقومي، وتنامي دور "لوبي الاستيطان" بوتيرة مستمرة ومتصاعدة منذ عدة سنوات. (ب) انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية وتآكلها وضُعف مكانة منظمة التحرير الفلسطينية في أوساط التجمعات الفلسطينية في الداخل والخارج. (ج) الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الجديد داخل المجتمع الفلسطيني في الضفة، وما يمليه من ضرورة التفكير في تداعياته وما سيترتب عليه. (د) تراجع مكانة القضية الفلسطينية على الساحة العربية في ظل انشغال الدول العربية الكبرى - شعوباً وحكومات- بأزماتها الداخلية، والصراعات بين القوى النافذة في المنطقة. (ه) تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية في ظل إحساس عميق بالعجز عن إطلاق مسار تفاوضي ذي مغزى، يمكن أن ينتهي إلى إنقاذ "حل الدولتين"!!!

هذه الأسباب مُستجدة، وتُغطي العقد أو العقدين الأخيرين فقط، لكن ماذا عن خمسين عاماً مضت منذ حرب 1967، حيث وُلدت فكرة التسوية مع قرار 242، أو من ثلاثة وأربعين عاماً وإقرار البرنامج المرحلي الفلسطيني عام 1974، أو ترجع لحوالي رُبع قرن منذ انطلاق مفاوضات "أوسلو" وتوقيع اتفاقها عام 1993!

(2) من توهُّم الواقِع، مزعوماً، كما قُلنا عن إسرائيل مديداً، إلى توهُّم "حل الدولتين" المزعوم، واقِعاً،

في هذا الخضم من الأسئلة المـُتلاطمة؛ المـُتناسِلة والمـُتناقِضة، غاب الأهم والأبسط، بل مفتاح النقاش، ألا وهو: هل كان خيار "حل الدولتين" للصراع قائماً يوما بالماضي، أي مقبولاً من طرفي الصراع؛ الفلسطينيون والإسرائيليون في آن، حتى نندب حظنا الآن بموته، و"أنه صار من الماضي" على ما صار يُقال في الآونة الأخيرة؟!

أما وأن استعادة هذه التواريخ والأحداث تتم في إطار حديثنا عن عجز عربي وفلسطيني، مديد ومُتماد ومُتكرِّر عن قراءة الماضي واستشراف المستقبل وتوقُّعه، فأننا نُشير إلى أن كافة الأسئلة حول مُجمل ما سبق لم تكن مَحَل مُساءلة، فتلقى جواباً، سواء ما خصَّ مآلات "البرنامج المرحلي"، أو حصائل "أوسلو"، وخيار "حل الدولتين"، بما هي مشاريع وخطوات تسوية تم الذهاب إليها دون أية ضمانات تنفيذ، فكُنَّا كَمَن دَفَع ولم يقبض!

لا نُسجِّل هنا موقِفاً مع التسوية أو ضدها، بل لتأكيد حقيقة أوسع وأشد هي الذهاب بالمسائل والخيارات، كما الخروج منها، دون تأمُّل كاف، وهو ما يصح على الأدائين الحربي والسلمي. فكما خرجنا من حروب دون مُراجَعة، ذهبنا لتسويات وخرجنا منها دون فحص واجب، تجنُّباً لتحديد الأخطاء والمسئوليات. صحَّ هذا ويصح على كامل تاريخنا، بما يعنيه ذلك من تكرار الأخطاء، وعلى نحو أشد، فكانت الخسائر مُضاعَفة!

وعليه، فأن الإشكالية التأسيسية في السجال الدائر، هي في توهُّم العرب والفلسطينيين بوجود حل سياسي للصراع ليس موجوداً أصلاً، اسمه "حل الدولتين"! محل الإشكال، أننا انتقلنا من توهُّم الواقِع مزعوماً، كما قُلنا عن إسرائيل مديداً، ليس بمعنى الاعتراف بشرعية وجودها، بل بمعنى وجودها عملياً، ما بدى وكأننا نُدير صراعاً مع وَهْم؛ في مَثَل فادِح على ثقافة الإنكار، إلى توهُّم "المزعوم" واقِعاً، على ما فَعَلنا طيلة عقود، ونحن نفترِض قبول إسرائيل لخيار "حل الدولتين"، وها نحن نندب وفاة وَهْم نَفَخنا به كي نجعله أملاً وهدفاً نسعى له! يقول منطق الأمور أن خداع النفس بحل موهوم يكون لتعويض وإخفاء حقيقة عدم امتلاكنا لمشروع بديل جدي.

لا أنطلق في قولي هذا، كما قد يُظن، من خلفية "أصولية"، أو نظرة مُتشائمة للأمور، أو نظرية مُتصلِّبة ومُتطلبة للصراع، بل في ضوء كلمة الحياة والتجربة العملية على مدى قرن من الصراع، ومنطوق خطاب المشروع الصهيوني تاريخياً وراهِناً، كما مِن حقيقة أن خيار "حل الدولتين" أو سواه، يكون باجتماع رغبة طرفي الصراع عليه، وهذا لم يحصل، مُسقطين من حسابنا كلمات، تُقال هنا وهناك، لذر الرماد في العيون، وبها وافِر التباس مُتعمَّد، لا دور له سوى إشاعة مزيد من الوهم بأن ثمة حل مطروح للصراع، ولا حل هناك إلا في ذِهن مَن توهَّمه!

ما يُؤسَف له، أن الأوهام السياسية ليست ظواهر معزولة، بل منظومات مديدة ومُتناسِلة من الأوهام، والحاجة إلى كَذِبات جديدة لتغطية كَذِبات قديمة، وهكذا دواليك من إشاعة الأوهام وتلفيق الحلول، التي ليست إلا عروضاً قدَّمها الطرف الرسمي العربي والفلسطيني، لكن الطرف الآخر في مُعادَلة الصراع، لم يُوافِق عليها، وإذا ما وافق لفظاً، فبشروط تنسف جوهرها. وإذ توهَّمنا أن ثمة خيار اسمه "حل الدولتين"، فقد تجاهلنا سؤال: ما إذا كان "حل الدولتين" هذا، يُعادِل فعلاً، أو يعني بحال، حلاً للصراع الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي والصهيوني!

 

(3) إسرائيل: مشروع سياسي يستخدم الأيديولوجيا، أم مشروع أيديولوجي يتوسَّل السياسة، لتحقيق نفسه؟

لعل مفتاح فهم الشق الإسرائيلي من معادلة التسوية، يجب أن لا ينطلق فقط من رغبة أو عدم رغبة إسرائيل بتسوية وحل للصراع، وكأنه أمر رغبات وخيارات نظرية، على ما كان يُحصر سابقاً، بل أيضاً المشاكل التي ستخلقها لإسرائيل أية حلول سلمية للصراع تُلبي ولو الحد الأدنى من حقوق ومُطالبات الفلسطينيين، وتحديداً الاعتراف بهوية أو كيان أو شرعية فلسطينية سيادية، في ما يُسمِّيها المشروع الصهيوني: "أرض إسرائيل"!

وعليه، ليست المستوطنات والقدس وعودة اللاجئين... الخ فقط، هي العَقَبة أمام حل الدولتين، بل مبدأ الاعتراف بحقوق للفلسطينيين في "أرض إسرائيل" أيضاً وأساساً! إذن، العقبة ليست وجود أو عدم وجود رغبة بحل، بل لأنه يُشكِّل نفياً لجوهر الفكرة الصهيونية، التي تحوَّلت مشروعاً سياسياً وَجَد ترجمة له في دولة إسرائيل.

يصير السؤال المفتاح، والحال هذه: هل لخيار "حل الدولتين" في فلسطين أن يرى النور، إذا بقي المشروع الصهيوني على مضمونه التوراتي الراهن والمـُعْلَن؟ الأهم: هل من "إسرائيل"، سابقاً أو راهناً أو مستقبلاً، دون "مشروع صهيوني" كما الآن؟ هل من مشروع صهيوني دون "مضمون توراتي"، بمعنى "يهودي"؟ لم تُستل هذه الأسئلة من خطاب فلسطيني أو عربي؛ ديني أصولي أو قومي عنصري، بل من الخطاب الإسرائيلي الرسمي المـُعْلَن.

غرض هذه النقطة ليس السجال أو تعقيد الأمور، بل وَضْعها في نِصابها، وتحديد بداية صحيحة للقضية المطلوب حلها، وأنها تقع عند إسرائيل، ليس لناحية أشخاص وسياسات جارية، كما يتم التركيز، بل لناحية أنها حصيلة الرؤى الفكرية والأيديولوجية التأسيسية التي تقوم عليها البُنية الإسرائيلية الراهنة، وتُشكِّل مصدر شرعيتها.

نقول ما سَبق عن مضمون توراتي للمشروع الصهيوني، بالإذن من خطاب يساري فلسطيني وعربي، لم ير في الصهيونية وإسرائيل يوما سوى أنها تابعة، ومجرد أداة لمشروع إمبريالي أصولاً، مقابل خطاب يساري أيضاً، لكن دولي أساساً، ولا زال له حضوره القوي بالغرب، راهن على أن إسرائيل قوة تقدمية وستكون أداة تثوير للمنطقة!

كما بالإذن أيضاً من خطاب مُتنوع آخر، ولأسباب شتى ومُتناقِضة، رأى في الصهيونية ومشروعها عِلمانية مُتطرِّفة، وهو يُشدِّد على إلحاد غالبية قادتها المـُؤسِّسين والحاليين. سواء صحَّت تلك الفرضية- المقولة، أو لا، لكن المـُؤكَّد أن الصهيونية توسَّلت العلمانية، بمعنى منهَج الحداثة والعِلم وأدواتهما، لإنجاز مشروعها التوراتي.

لا نُضيف كثيراً لو قُلنا أنها ليست المرة الأولى التي تُوظَّف بها العِلمانية والعلم في خدمة مشاريع غير عِلمانية، وأن مشاريع علمانية، أو تظن نفسها كذلك، استخدَمَت الأيديولوجيا حد انقلاب تلك المشاريع على عِلمانيتها! تقول كلمة التاريخ في هذا المجال، أن إجتماع العِلم؛ العِلمانية، مع أيديولوجية عُنصرية يأتي بكوارث.

غرض ما سَبَق تأكيد أن ثمة مشروع صهيوني قائم بذاته، أي له منطقه ودينامياته وتطلعاته الخاصة به المـُستمَدَّة والمـُنضبطة ليهوديته، وليس كما يرى البعض مُجرَّد "أداة" أو "تابِع" أو صنيعة. لا يُلغي ذلك بحال أن المشروع الصهيوني تحالَف أو تقاطَع مع قوى دولية نافذة لتحقيق نفسه، لكن ذلك لا ينفي كينونته الخاصة به.

 (4) معنى أن يُضمر وعد بلفور أن الجماعة السياسية الوحيدة بفلسطين هم اليهود حصراً، وما عداهم مُجرَّد "مُقيمين!

لسنا أمام ظاهرة مُستجَدَّة، أو مُشكلة تَشدُّد ديني وقومي وَقْف على "نُخبة وحكومة"، مُعلَّقة في فراغ ولا تعكِس بيئة؛ اجتماعية راهنة وكاسحة. أيضاً، ليست هذه الحالة طارئة، إلا إذا اقتضت فضيلة النسيان حَذْف حقيقة أن المشروع الصهيوني، منذ تأسَّس، إلى احتلال 1948، الذي أكمله عام 1967، كان بقيادة عمالية!

وعليه، لسنا أمام عَقَبات مُستجَدَّة أمام خيار "حل الدولتين"، صارت تُربَط مُؤخَّراً بـــ"ميل إسرائيل نُخبة وحكومة للتشدد الديني والقومي" عموماً، وشخص نتنياهو تحديداً، كأن بن غوريون حَمامة سلام، وفلسطيني مَن قَتَل رابين، بل ثمة مُشكلة تأسيسية في مشروع صهيوني قام أصلاً، منذ قرن ويزيد على مرجعية قوامها التشدُّد الديني والقومي والاستيطان الإستئصالي، الذي لا يرى حقوقاً لأحد في فلسطين؛ "أرض إسرائيل"، سوى لليهود!

على خلاف ما قد يُظَن، هذا ليس فقط موقف "المشروع الصهيوني" كما أُطلق في مؤتمر بازل 1897، بل أيضاً كما كرَّسه "وعد بلفور" عام 1917، الذي وَعَد بوطن قومي يهودي في فلسطين، وتبنَّته دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا، ثم "عُصبة الأمم" عام 1922، التي كَلَّفت بريطانيا تنفيذه حين انتدبتها على فلسطين.

لا تكمن أهمية وَعْد بلفور، وما تلاه، فقط من أنه نال تأييدا دوليا هاما، أو من قوة بريطانيا؛ الدولة المـُنتدَبة على فلسطين، وكُلِّفت بتنفيذه، بل أيضاً وأهم، من تقريره أن الجماعة السياسية الوحيدة في فلسطين، التي تحدَّث عنها، هم اليهود حصرا، وما عداهم أدنى مرتَبَة، ويُعرَّفون بـــ"غير اليهود" فقط، بما هم مُجرَّد "مُقيمين"، لهم حقوق مدنية ودينية فقط! وعليه، تتطابق خلفية منطق وعد بلفور هذا، مع جوهر الخطاب الصهيوني لناحية أن لا حقوق لأحد في فلسطين إلا لليهود. وعليه، ليست خطورة وعد بلفور في نصّه؛ منطوقه، بل بخلفية قام عليها.

هذه ليست دعاية أصولية دينية أو قومية، يقول بها طرف يُعادي إسرائيل والمشروع الصهيوني لسبب أيديولوجي أو آخر، بل هذا ما يُعلنه عن نفسه منذ تأسيسه في مؤتمر بازل 1897، ويُمارسه يومياً، كما رسَّمه أخيراً من خلال قرار كنيست إسرائيل، بإعلانها دولة قومية يهودية، كسِمة شَرْطية تعلو وتَحكُم ما عداها، بما في ذلك ديمقراطية الدولة، قاطِعاً بذلك الطريق على أية حلول تستوعِب حتى فلسطينيي 1948، كمواطنين كاملي الأهلية، وحقوق المواطنة، فكم بالحري 1967، أو اللاجئين والنازحين، مِن وَفي داخل وخارِج فلسطين التاريخية!

تجلَّى الجَهل الفلسطيني والعربي مع تجاوزه، عَمْداً وبتماد، تحديد طبيعة "المشروع الصهيوني" الذي يواجهونه منذ قرن ويزيد، وطالما وصفوه بشتى الأوصاف، خاصة السلبية، لكن ثمة تجنُّب مُتزايد ومُتعمد لإحالته على طبيعته الأصلية المقررة، وبما هو التعبير السياسي المعلن عن "اليهودية المـُعاصرة"، على ما يُعلن "المشروع الصهيوني" ويفتخر دائما ومُبررا وجوده بذلك، بينما بقي خطاب عربي وفلسطيني، وخاصة اليساري منه، يُصِر على طبيعته الوظيفية بخدمة الإمبريالية ورأس المال العالمي! لا بل ثمة من بشِّرنا باستغناء الغرب عن وظيفة إسرائيل ودورها في خدمته بالمنطقة، مؤذناً بانتهاء وجودها، لنُفاجأ بتضاؤل وجودنا، وتزايد مكانة إسرائيل إقليمياً ودولياً!

(5) حين يرتبط مَنْسوب الأيديولوجيا بمعدلات نمو الناتج المحلي، وميزان القوى الشامل، والعكس بالعكس.

وعليه، فإن نقطة البدء في تفسير ما شهده الماضي والحاضر واستشراف المستقبل، هي التعرُّف على حقيقة إسرائيل ورؤيتها كما في الواقع، وليس كما نرغب. إن السؤال، والحال هذه، هو: هل المشروع الصهيوني، مُمثَّلاً بإسرائيل الآن، مشروع سياسي يتوسَّل الأيديولوجيا– الديانة اليهودية، أم مشروع أيديولوجي قوامه اليهودية، ويتوسَّل السياسة لتحقيق نفسه، وبذلك يُجيب على سؤال: هل اليهودية مَن أنتجَت وأحيت مشروعها الصهيوني؛ إسرائيل، أم أن الأخيرَين من بعثا الحياة باليهودية، حين أعطياها بُعداً وحضوراً سياسياً ومضموناً حيويا مُعاصِراً؟!

استطراداً: هل المشروع الصهيوني تاريخياً، وبالتالي إسرائيل راهناً، مشروع أيديولوجي؛ يهودي؛ ومحكوم بمعاييره الصارِمة والمـُقدَّسة، أم مشروع سياسي "يأخذ ويعطي" ارتباطاً بظروف ومـُستجدات سياسية مُتغيرة ... الخ، على قاعدة التكيُّف معها، بخلاف المشروع الأيديولوجي؛ أيا كان، والذي يسعى لتكييف الواقِع حسب يقينياته!

لا يُغيِّر ذلك قول صائب بالمبدأ، عن أن المشروع الصهيوني؛ إسرائيل، جسم حي يتفاعل ويتطور وليس كُتلة صمَّاء، لابد وأن يتأثَّر بالتحولات الجارية من حوله، كما يقول منطق الأمور، الذي يُقرِّر أيضاً أن اتجاه التحوُّلات الخارجية يُحدِّد اتجاه التحوُّلات الداخلية، والعكس بالعكس، فكم بالحري حين يتناغم تحسُّن الأداء الداخلي لإسرائيل، مع تدني مُستوى الفعالية الخارجية الضاغطة عليها في إطلاق العنان للأيديولوجيا كما سنُبيِّن.

وعليه، ليس أمر استجابة للتحوُّلات؛ التحديات، بل في كيفية الاستجابة لها، وعما إذا كانت تبدأ من قضم الأهداف، بحجة نقص الإمكانات وضغط التحوُّلات، أم تعظيم الإمكانات وتقوية الذات لحفظ الأهداف.

وبالمعنى المشار له، فأن استغراب الموقف "غير السياسي" لإسرائيل، من قِبل الذين يُحاكِمون الأمور والأداء بمعايير سياسية وعقلانية مُحدَّدة، وسائدة دولياً، يُصبح مفهوماً تماما حين يُقرأ ذلك الأداء "غير السياسي" المستغرب، باعتباره تجسيداً عملياً للأيديولوجيا التي أمْلَته، ولها قيمة وجودية في حياة المشروع الصهيوني؛ إسرائيل!

من نافل القول أن ذلك لا يتم بفراغ، بل هو رهن توفُّر شروط داخلية وخارجية دَفَعت بالأيديولوجيا إلى أقصى مداياتها؛ أو جنونها، بلُغة بعض لم يلحظ فيربُط بين أن إسرائيل تزداد أيديولوجية؛ جنوناً، وبين أن ذلك يتم حين تزداد قوة، ويزداد عدُوها ضَعفاً. سنتناول ذلك لاحقاً، لكن نُشير الآن، إلى أنه، وبلُغة الاقتصاد السياسي، يرتبط منسوب الأيديولوجيا بمعدلات نمو الناتج المحلي، وميزان القوى الشامل للأطراف محل الحديث.

والحال هذه، لم تخدعنا إسرائيل، أو المشروع الصهيوني قبلها، بل نحن من خَدَعنا أنفسنا بأنفسنا جَهْلاً أو عَمْداً، حين قرأناهما برغباتنا، وأنها قد تَرْحَم عجزنا فتقابلنا بحلول وَسَط أو شِبه وَسَط، على ما تُملي المعايير السياسية الافتراضية وتقول، ولم نقرأ إسرائيل كما هي، وتُعلِن ذلك يومياً بالمـُمارَسة، أنها مشروع أيديولوجي له اسم رسمي مُحدَّد هو: "إسرائيل؛ دولة يهودية"، وعلى الآخرين التكيُّف مع ذلك، وهذا ما صار يحتل قبولاً مُتزايداً.

إسرائيل لا تُطلِق شعارات وترسِم أهدافاً فقط، بل تُملِّكُها شروط تنفيذها، بخلافنا ونحن نتوهَّم القول يصير فعلاً، والوَعْد واقِعاً، بمجرد إطلاقه! القول والوعد والمشاريع تقتضي حوامِلها، وإلا بقيت على رف الانتظار!

(6) حفظ تناسُب القدرات والرغبات؛ الشعارات والإمكانات! الإزدواجية الإيجابية بين المتناقضات

إذاً؛ ليس التناقض خارج– خارج فقط، أي فلسطين– إسرائيل؛ بل داخل- داخل، فلسطينياً وإسرائيلياً! دليل ذلك أن الطَرَف الفلسطيني يُواجِه مشكلة جدية أن "حل الدولتين" قد يُشكِّل مخرَجاً مجزوءاً ومعنوياً، لكنه لا يُشكِّل حلاً للقضية الفلسطينية، سواء كما بدأت عام 1948 أو تطوَّرت فصولاً، لتصير عدة قضايا مُتحدة منُفصلة، وكل واحدة تُعادِل القضية الأم التي نشأت عن نكبة 1948 بما هي أم كل الخسارات اللاحِقة، ويجب أن يُحال عليها ما تلاها، ثمة بعض مُقلق يسعى لجعلها بديلاً عن النكبة الأُم، ومُنفصلة عنها، لا مُتناسلة منها.

بقية القصة معروفة، وهي إحلال العربي عدواً للفلسطيني بدل الصهيوني! ومن شاء مَثَلاً حياً على تلك الحَمْلة المـُنسَّقة والمديدة لترسيخ عدو بديل، يجده في ما يتعرَّض له فلسطينيو لبنان من تحريض بأن لبنان هو المسئول الوحيد عن بؤسهم. لقد صار ممنوعاً حتى التذكير بأن نكبة وَقَعت عام 1948، ومن هناك بدأ البؤس!

تُواجِه إسرائيل بدورها تناقضاً بُنيوياً يزداد اتساعاً، على غير مستوى؛ بين الأيديولوجيا والسياسة، بين بيئة ثقافية تنتمي لما قبل التاريخ، وبيئة عِلمية واقتصادية وعسكرية من الأكثر تقدُّماً بالتاريخ! بين دينامية داخلية صهيونية، وضوابطها الأيديولوجية القاطعة، وأخرى رأسمالية بمعاييرها الوضعية الصارِمة، وقوامها ناتج محلي يبلغ (350) مليار دولار سنوياً، وللعِلم الدور الرئيس بتوليده، كونه آت من صناعات كثيفة المهارة؛ تناقض بين تقوقع إسرائيل داخِل أيديولوجيا ما قبل التاريخ، وفي آن الانفتاح على الخارج، كونها شريك فعَّال ورابح جداً من العولمة!

حلَّت إسرائيل مؤقَّتاً تناقُضها الداخلي هذا، عبر التوفيق الإيجابي بين إطلاقيات الأيديولوجيا التوراتية، وبين قيود السياسة والواقع وموازين القوى، من خلال سعيها الحثيث لإحداث شبه تطابُق بين الرغبات والقدرات، وتوسيع الفجوة باستمرار مع أعدائها الفلسطينيين والعرب، بحيث تَفرِض شروطها، وتمنع عنها كل ما يمس بُنيتها الأيديولوجية كـــ"دولة يهودية"، قائمة على أن لا شَرْعية، أو وجود سياسي لغيرها فوق ما تُسمِّيه "أرض إسرائيل"!

وبالمعنى المشار له، يفترِق جوهريا أداء المشروع الصهيوني– إسرائيل، عن أداء الفلسطينيين والعرب، في تمكّن الطرف الأول من توفير حلول إيجابية لازدواجية الأيديولوجيا – الواقِع، وتحقيق أعلى قدر ممكن من تطابق الرغبات والقدرات، من ضِمن جدلية معروفة بالاجتماع السياسي، هي أن مزيداً من الرغبات؛ الأيديولوجيا لدى طرف ما، يستدعي في آن مزيداً من القدرات، كما وأن مزيداً من القُدرات تُنتِج مزيداً من الرغبات؛ الأيديولوجيا!

نستعيد هنا، ما كُنا أشرنا له حول التناسُب حد التطابُق بين منسوب نمو "الناتج المحلي" ودرجة الطموح؛ الإفصاح الأيديولوجي، والعكس بالعكس. هنا وَقَع من جديد فشل فكري واستراتيجي فلسطيني وعربي فادح، ساعد على تفشِّيه انحطاط حال مؤسَّساتنا الفكرية والبحثية؛ فلسطينية وعربية، بعد تحويلها هياكل فارِغة تُكرِّر مقولات إسرائيل عن أنها تزداد "يمينية" و"عنصرية"، وكأنها لم تكُن كذلك منذ تأسيس المشروع الصهيوني قبل قرن ويزيد، ما أفضى إلى إغفال حقيقة أن إسرائيل أكثر قُدرة في واقِع الأمر صارت أشد إفصاحاً أيديولوجياً.

 (7) مُعادَلة: أكثر قوة ومعرِفة أكثر أيديولوجية؛ أكثر ضُعفاً وجَهلاً أقل أيديولوجية!

دون ذهاب في نقاش حول ما إذا "كانت" أو "صارت" إسرائيل أكثر يمينية وعنصرية، أو أشد إفصاحاً عن طبيعتها اليمينية العنصرية، لكن اللافت أن أحداً ممن لا يملون من إخبارنا عن ذلك، لم يمد السؤال والبحث ليصير حول الأسباب وراء أنها تحوَّلت واقِعاً أو لُغة على نحو نوعي، وأن لذلك أسبابه أيضاً، وليس مُترتباته فقط.

ليس ذلك تفصيلاً، أو إحلال عبارة بَدَل أخرى، بل تحديد مفتاح النقاش، لأن القول بإسرائيل "يمينية" و"عنصرية"، أو تزداد "يمينية" و"عنصرية"، يُصوِّر الأمر وكأنه حَرَكة في نطاق الأيديولوجيا والمفاهيم، بينما بدأت أصلاً في الواقع الملموس، وهو ما مكَّن الأيديولوجيا من أن تصبح أكثر قدرة على الإفصاح عن كامِل مكنوناتها.

أيضاً وأيضاً، فأن محل الفشل الإستراتيجي ليس فقط أننا لم نر سوى أن إسرائيل صارت أكثر يمينية وعنصرية، وبكلمة أدق أكثر إفصاحاً عن هويتها اليمينية وطبيعتها العنصرية، بل جهَّلنا أسباب ذلك، مُحتفظين لأنفسنا بصورة نمطية سَلْبية عن إسرائيل، التي كانت سعيدة بأن نُضلِّل أنفسنا بأنفسنا، ونحن نرسِم لها لوحة بائسة وزائفة مُستلَّة من سلة زبالة أخبارها، التي لا تحوي إلا السلبي عنها، وإذا لم نجده نُلفِّقه! بالمـُقابِل تمسُّكنا لأنفسنا بخطاب سياسي أو أيديولوجي، أصولياً أو مُعتدِلاً، دون تمليكه القوة الكافية التي تعطيه مِصداقية تنفيذية.

فاتنا هنا أن المـُبارزة ليست في الشعارات، بل بميزان القوى، وأن شعارات أكثر تستدعي إمكانيات أكبر، والعكس بالعكس! والحال هذه، رُسمت مُعادَلَة إستراتيجية فادحة للصراع؛ هي أن المشروع الصهيوني – إسرائيل؛ إذ يُصبح يوما بعد يوم أكثر قوة، يُصبح بالتوازي أكثر أيديولوجيه، وبالمـُقابِل، فأن الطرف الفلسطيني والعربي، إذ يُصبح يوما فيوم أكثر ضُعفاً وجهلا يُصبح أقل أيديولوجيه؛ بمعنى مطالبه السياسية وهي تتلاشى هبوطاً يوماً فيوم!

هذا ليس تنظيراً مجرداً، بل يعكس الواقِع القائم والمـُمتد على مدار تاريخ الصراع، وسعي المشروع الصهيوني دائما لتطابُق الأيديولوجيا والقُدرات، ولم يعُد موقفه قائم على رفض الحلول الوسط لأسباب أيديولوجيه فقط، بل أيضاً لاعتبارات ميزان القوى، وكلمة الحياة التي تقول؛ أن مزيداً من انهيار ميزان القوى يعني مزيداً من تنازل الفلسطينيين، بما يعنيه من الاندفاع نحو مزيد من الإخلال بميزان القوى وصولاً لمزيد من تنازل الفلسطينيين.

هذه المـُعادَلة الإستراتيجية البسيطة والمعروفة، والهامة والحاسمة، التي حَكَمت المشروع الصهيوني- إسرائيل، ماضياً وحاضِراً، ستحكُمه مستقبلاً، لأنها صحيحة ومُربحة على ما تؤكِّد جميع الوقائع التاريخية والعملية لناحية أن الزمن عَمَل لصالِح إسرائيل. أن السؤال والحال هذه: أي منطق يفترِض أن إسرائيل قد تُفكِّر يوماً بوقُّف ديناميات تعظيم مكاسبها، وتضخيم خسائر الفلسطينيين، على افتراض ثبات مُكوّنات مُعادَلة الصراع، وحركة دينامياته؟!

نطرَح سؤالنا هذا ربطاً بطبيعة الصراع القائم على المـُعادَلة الصِفْرية، بما هي أن خسائر طرف تُعادِل أرباح الآخر، والعكس بالعكس، وذلك على خَلْفية أن الصراع لا يدور حول قطعة الأرض الواحدة فقط، بل أيضاً على التاريخ والهوية والوجود المـُركَّب، من تداخُل وتعدُّد عناصره. عَبَثاً التفكير بحلول وسط مع استمرار المـُعادَلة الصِفرية أعلاه، التي لا مجال لزحزحتها في ظل الطابِع المـُقدَّس، والوجودي للصراع، أو هكذا يَظُن أطراف الصراع!

(8) ليس خيار "حل الدولتين"، بل كل الحلول في مصيدة المـُعادَلة الصِفْرية للصراع وخَلَل ميزان القوى

ثمة من يَظُن أن المـُعادَلة المذكورة تقتصِر على طرف دون آخر، بخلاف حقيقة أن كل طرف يرى فيما يُحقِّقه مرحلة نحو تحقيق كل أهدافه. وإذا كان الفلسطينيون أعلنوا "مرحلية" ما، فدليلهم مرحلية صهيونية سالفة أو قائمة، يهتدون بها! أما الصهيونيون، فلعلَّهم حين يسمعون الفلسطيني يتحدَّث عن المرحلية فيتذكَّرون مرحليتهم!

مَن يقرأ إسرائيل بنزاهة، ولا نقول بعُمق، يعرف أنها لا تخاف إعادة الأرض المحتَلة 1967 للفلسطينيين لخسارة مادية فقط، بل أيضاً من أساس ستُعاد بناء عليه، وذلك بوصفها أرضاً مُحتَلة. في 1978 حين سُئل وزير خارجية إسرائيل حينذاك "موشي دايان" لماذا لا تُعاد مدينة "نابلس" للفلسطينيين، وهي أرض مُحتَلة، كان جوابه: لقد قامت مدينة "تل أبيب" على أرض مُحتَلة أيضاً، هي قرية "الشيخ مُونِّس"، فهل نُعيد تل أبيب للفلسطينيين؟!

كان ذلك قبل أن تتراجع إسرائيل، عن إعترافها بأرض مُحتَلَّة في 1967، وفي طور لاحق مٌدارة، وبالتالي كان حينها منطقياً الخطاب الداعي لإعادتها، لصالح مقولة تزداد تفشِّياً في إسرائيل، وربما خارجها نسبياً، هي أن ما يُسمى "أرضاً مُحتَلَّة"، أرض مُحرَّرة من الفلسطينيين والعرب، الذين كانوا يحتلونها! وبالتالي يجب الإحتفاظ بها!

نستند في حديثنا هذا عن مُعادَلة حاكِمة لأداء المشروع الصهيوني، على كامل تاريخه، وهو أن ميزان القوى حَصْراً، وليس أي اعتبار آخر، هو الذي يُقرِّر مسار الأمور، ويُخطئ من يظُن أن إسرائيل تُفشِل لأول مرة "حل الدولتين"، أو حل "الدولة الواحدة"، أو التقسيم، أو أي مشروع آخر يمس تماسُك خطابها الأيديولوجي.

حَدَث ذلك في ثلاثينات القرن العشرين، حيث اختبأت الصهيونية خلف الرفض الفلسطيني لاقتراح لجنة "بيل" لتقسيم فلسطين. أيضاً وأيضاً قرار التقسيم 1947، واحتلال "الدولة اليهودية" أراضي "الدولة الفلسطينية" المـُقترَحة، وُصولاً للتحايل على مُقترحات التسويات الدولية، منذ قرار 242 عام 1967، وحتى أوسلو 1993!

إذ يتصارع الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني على نفس المساحة؛ الرُقعة الجغرافية، ويتشابهان في نظرتهما للحقوق والتاريخ، و"المـُعادَلة الصِفرية" التي تحكُم علاقتهما وخسائرهما أو مكاسبهما، لكن تختلف مكانتهما في كفتي ميزان الصراع والقضية المطلوب حلها؛ فثمة طرف قوى بذاته وحُلفائه، وآخر ضعيف بذاته وحُلفائه أيضاً.

نعم، ثمة "مُعادَلَة صِفْرية" مُميتة، لا تقوم فقط على قاعدة الحق والباطل، كما رأى الفلسطيني، بل أيضاً على قاعدة القوي والضعيف، كما عَرَض الإسرائيلي للأمر في مرحلة معينة، ثم عاد عن ذلك لاحِقاً لصالِح مُعادَلَة خبيثة وعُنصرية هي إحالة القوة والضَعْف ليس على ظروف موضوعية وموازين قوى، بل على طبيعة الأشياء، وقاعدة "الشجاع" و"الجبان"، في استعادة لحكاية داوود وجوليات التوراتية، كما صار يُروِّج حتى بعض العرب. ذلك ليس مُهيناً للفلسطينيين فقط، بل مُحاوَلة لإعطاء شرعية توراتية للمشروع الصهيوني وإسرائيل أيضا.

هنا ثمة وَهْم سائد يُساوي القوي والضَعيف؛ الرابح والخاسِر من الوضع الراهن، وكأن إسرائيل في مشكلة وجودية تنتظر حلاً كالفلسطينيين، الذين يحولهم خطاب مُروج من ضحية مُعتَدى عليها إلى طرف بالصراع؛ مثله مثل إسرائيل، وهذا ينقلها من تصنيف دولة مُعتدية؛ مُحتلة، إلى مُجرد طرف بصراع حول أرض "مُتنازَع عليها" فقط!

(9) الحل المناسِب لإسرائيل تأبيد الوضع القائم، لتوسيع الإستيطان والفجوة مع الفلسطينيين!

وهكذا، تم الانتقال من "أرض محتلة"، إلى "أرض مُدارة"، إلى "أرض متنازع عليها"، التي حلَّت عَمَلياً كمصطلح سياسي بدلاً عن "أرض مُحتلَّة"! في طور لاحق، وتطور لافِت، على ما سنُبيِّن، سُحبت عبارة "مُتنازَع عليها"، وعاد حديث إسرائيلي عن "أرض مُحتلّة"، ولكن من قِبل العرب وليس إسرائيل، وهو ما سنتناوله لاحقاً.

وعليه؛ إذا جاز الحديث عن حل انطلاقاً من قاعدة القوي والضَعيف، المـُستفيد والخاسِر من بقاء الوضع على ما هو عليه، وموقعه بالصراع، فاعِلاً أو مفعولاً به، فأن "الحل" الذي ناسَب ويُناسِب إسرائيل عدم تقديم أي حل يُغيِّر طبيعة الوضع القائم، بما هو الأفضل لإبقاء وتوسيع الفجوة في ميزان القوى بين الطرفين المتصارعين، وباعتبار أن كل لحظة تمر تُضيف مكاسِب للإسرائيليين، مـُقابِل خسائر أكبر للفلسطينيين، لأنها وجودية ونوعية.

وبالمعنى المشار إليه، فأن أثر الزمن مُركَّباً ومُتناقضاً ومُتفاوتاً، ليس فقط لأن إسرائيل تُضيف يوما فيوم، أكثر فأكثر لما لديها، في حين يُضيف الفلسطينيون أقل، هذا إن أضافوا، بل أيضاً لأن الفلسطيني إذ يخسر وعلى شكل تراكمي، فهو يدفع ثمن ذلك من وجوده؛ رأسماله، بخلاف الإسرائيلي، ووجوده الذي هو بمنأى عن ذلك.

على أهمية سؤال: الزمن يعمل لصالِح مَن، والتأكيد على أن مرور الوقت يعني تعظيم مكاسِب إسرائيل ويجعلها أكثر طموحاً وأيديولوجية، فمن الأهمية بمكان تحويل الزمن الإسرائيلي إلى أرقام اقتصادية مثلاً، كي نُعطي للأحكام النظرية مضامينها. نكتفي هنا بالإشارة إلى أن "الناتج المحلي" لإسرائيل خلال سنوات 2011- 2015، أي السنوات الخمس الأولى التي مرت على الربيع العربي، ارتفع من (874) مليار شيكل سنة 2010، إلى بليون و(37) مليار شيكل بأسعار العام 2010، حسب إحصاءات إسرائيل 2015، جدول رقم (14/2).

وباعتبار أن سِعر صرف الشيكل مُقابِل الدولار عام 2010، يُعادِل (3,549) شيكل، فهذا يعني زيادة (46,1) مليار دولار، هو الفارِق بين الناتج المحلي عام 2015، والبالغ (292,4) مليار مُقابِل (246,3) مليارات في سنة الأساس 2010. استناداً لمـُعطيات أولية مـُتوفِّرة حول عام 2017 سيبلغ الناتج المحلي الإسرائيلي المـُتوقَّع (352) مليار دولار، ما يعني أننا أمام زيادة تراكمية خلال سبع سنوات، تبلُغ حوالي مئة مليار دولار!

والحال هذه، نحن أمام ترجمة عملية لكيفية استفادة إسرائيل من الزمن، الذي يجعلها أكثر قوة وطموحا وإيديولوجية، ما يعني مزيداً من تقريب الإسرائيليين لأهدافهم، وتطابُق مشروعهم الأيديولوجي التوراتي مع ما يجري واقعا على الأرض، والعكس صحيح بالنسبة للفلسطينيين، الذين يزداد ضعفهم وتتعاظم خسائرهم وتتضاءل أهدافهم ومطالباتهم، بما يعنيه كل ذلك من أثر إيجابي مُعاكِس ومساو على المشروع الصهيوني وإسرائيل.

 (10) مِن عدم تقديم حل للقضية، إلى إنكار وجودها أصلاً، ومكان عرب إسرائيل خارج إسرائيل!

أقمنا هذه المـُطالعة على وقائع تاريخية ملموسة ومُثبتة، قارنت بين تطوُّر أمور وأوضاع طرفي الصراع، ما يقتضي منا تمييزاً بين أن صاحِب اليد العُليا؛ القرار في إيجاد أو تعطيل الحلول، وبين المـُتلقي، بما يعنيه ذلك من أن استشراف المستقبل لابد وأن ينطلق من الموقف الإسرائيلي، القائم على أنه إذا كان من مصلحة الفلسطينيين الحصول على حل يُخلِّصهم من الاحتلال، حتى ضِمن صِيغة أوسلو، فأن "الحل" الذي يُناسِب إسرائيل هو "اللا حل"، بما يعنيه مرور الزمن من تراكُم الإيجابيات في الجانِب الإسرائيلي، والعكس صحيح بالنسبة للفلسطينيين.

هذا ما فَعَلته إسرائيل تاريخياً، حيث لم تُقدِّم حلولاً للفلسطينيين، سوى نفي وجودهم، منذ كانت مشرعاً على الورق عام 1895في كتاب "دولة اليهود" لهرتزل. كذلك في 1948 وما بعده؛ 1967 وما بعدها. وإذا كانت إسرائيل قد تمسَّكت بمشروعها الأيديولوجي وهي "أقل قوة" نسبياً، فكم بالحري وهي تُصبح أكثر قوة!

وهذا ما تقوله كلمة الحياة منذ إعلان انطلاق المشروع الصهيوني عام 1897 وحتى الآن، كما سيسحب نفسه على المستقبل المنظور، أي لما يتراوح بين عقد وربع قرن. لا يُخطئ من يرى أن انحطاط الحال العربي والدولي خلال السنوات الأخيرة، زاد فجوة ميزان القوى أكثر، ومن شهية إسرائيل لقَضْم حقوق الفلسطينيين أكثر فأكثر.

يُخطئ مَن قد ينتهِز القول السابق للنيل من "الربيع العربي" بجَعْله مسئولاً عما جرى للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، والذي يعود لأسباب سابقة على 2011، حيث لم يكن "الحال العربي" أو "الحق الفلسطيني" بخير!

نُوجز ما سَبق بأن المشروع الصهيوني وإسرائيل عملا طيلة قرن ويزيد مضى على تعظيم وجودهما وعدم تقديم أية حلول لقضايا الفلسطينيين المـُتأتية عن النكبة الفلسطينية في 1948، المكتملة بالنكبة العربية 1967. ترافَق ذلك مع نَغَمة مُستمرة،كانت تزداد إيقاعاً وإفصاحاً وتبلوراً باتجاه إعلان عدم وجود مشكلة أصلاً لتُحَل!

كان ذلك ارتباطاً بتكريس إعلان إسرائيل دولة قومية يهودية، واستطراداً، فأن "أرض إسرائيل" أرض يهودية يُقيم عليها أيضاً "غير يهود"؛ "عرب" أتوها أزمان مُختلِفة، دون أن يُغيِّر ذلك من يهودية "أرض إسرائيل"!

وعليه، ثمة نَقْلة نوعية موازية لموت "حل الدولتين"، هي إعلان إسرائيل دولة يهودية، و"أرض إسرائيل" أرض يهودية، بما يعنيه من إنكار لحقوق الآخرين، وانتقال من تجميد أو تجاهل المشكلة إلى نفي وجودها أصلاً.

للتخفيف من وَقْع هذا الخطاب مُتزايد الحضور حد قول أنه الخطاب الرسمي لإسرائيل؛ بيمينها ويسارها؛ علمانييها ومتدينيها، يتم التأكيد على حقوق مَدَنية وإنسانية تُمنَح للأجانب عادة في الدول المـُضيفة. أما بالنسبة للحقوق السياسية فشأن يقتصِر فقط على من له حق المواطنة بإسرائيل. يمس هذا التوجُّه حتى حَمَلة الجنسية الإسرائيلية، التي صارت محل اشتراطات سياسية مُتزايدة يجب أن تتوفَّر بحامِلها من العرب، وإلا أُسقِطت حقوقه.

آخر النَغَمات على هذا الصعيد، محاولة تأسيس وترويج خطاب إسرائيلي مُضاد للخطاب المـُعادي للاحتلال الإسرائيلي الذي يتمسَّك به الفلسطيني، وذلك بتأليف وترويج خطاب مُضاد يزعم أن الحديث عن الإحتلال يجب أن لا يكون حول إسرائيل، بل عن "احتلال عربي" لفلسطين وسوريا الطبيعية ومصر وشمال أفريقيا! كان لافِتاً أن مصدر هذا الخطاب مركزاً إسرائيليا دعاوياً مُتخصِّصاً وعالي الكفاءة، له صِفة شِبه رسمية، يحتار المرء فيما إذا كان هذا يُحرِّض الأقليات، أم يُحرّض عليهم، وفي الحالين يزداد الشرق العربي تفسُّخاً وانهياراً.

(11) لماذا البداية والنهاية مع إسرائيل؛ ماذا عن إسرائيل الآن والمستقبل، وهندساتها السياسية للفلسطينيين!

بقية السَرْدية معروفة، وهي أن الفلسطينيين ليسوا إلا عرباً وفدوا؛ وبلغة السردية الصهيونية، احتلوا "أرض إسرائيل"، وحقوقهم السياسية هي حيث وفدوا، بما يعنيه من تحميل العرب مسئولية حل مشكلة الفلسطينيين حيث وُجِدوا. ومن أجل ذلك تتعدَّد السيناريوهات؛ التي لم تعُد سراً أو لغواً؛ على المدى من الأردن- الضفة الغربية، إلى مصر - غزة، كما لبنان وفلسطينييه، ومن لا يتم توطينه حيث وُجِد، فباب الجو والبحر مفتوح أمامه!

إذ أُؤكِّد على ضرورة التعامل مع ما يُطرَح على هذا الصعيد بجدية، فأن أقْطَع بأمر واحد هو أن إسرائيل ترى حل مُشكلة الفلسطينيين خارج فلسطين، ومَن يرى هذا الاحتمال خيالياً، له الحق بذلك، كما الحق عليه بأنه لم ينتبه إلى حدوث كثير من الأمور الخيالية في هذا العالَم قديماً وحديثاً وراهِناً. أُلفِت في هذا السياق أيضاً إلى أن تواتُر الحديث عن "اليهود العرب" ليس حنيناً لتعايش جميل وغني، بل ربما للتذكير بأن لليهود أملاك عند العرب، خارج فلسطين، تُعادِل، أو تزيد، عن أملاك عرب هاجروا من فلسطين، على جاري خطاب إسرائيلي!

انطلاقاً مما تقدَّم، أجد من واجبي توضيح تركيز مُطالَعتي هذه على المشروع الصهيوني وإسرائيل، بحيث بدى الأمر وكأنها المـُقرِّر الوحيد في مسار الصراع مُتعدد الأطراف، ما يعني تقليلاً من دور ومكانة اللاعِب الثاني؛ الفلسطيني؛ الذي خَسر كل المعارِك، لكنه لم يخسر الحرب، بدليل أنه لا زال موجوداً، في حين رَبح الإسرائيلي كل المعارك، لكنه لم يربَح الحرب بعد، والذي يكون حين يكسر إرادة عدوه الفلسطيني، فكم بالحري إلغاء وجوده.

لا شك أن البداية السليمة في أي بحث استشرافي ليس تعيين أطراف الصراع فقط، بل أيضاً في التحديد الدقيق للطرف الرئيس الذي تحكَّم ويتحَكم بمجريات الأمور خلال المدى المنظور رجوعا ومُستقبلا. على ما تقول التجربة، الطرف المـُتحكِّم هو الإسرائيلي، ومن هنا رصدنا لكيفية تفكيره ومُمارَسته، لنكون أمام أن الحل الذي يُناسبه، من ضِمن رؤيته للأمور وممارسته، التي تتمثل بحجز تطوُّر الفلسطيني، وتركه يُراوِح سلباً في نفس المكان! من هنا كان توقُّعنا أن الإسرائيلي سيبقى على نفس النهج الإنتظاري التدميري للفلسطينيين خلال المدى المنظور.

هنا اقترف الإسرائيلي ويقترِف خطأً مُركَّباً: (أ) لم ير بالفلسطيني إلا حالة يُمكن التعامل معها وِفق قواعِد الهندسة السياسية، ربما تأثُّراً بالهندسة الجينية، وإعادة إنتاج خلايا حَسَب الطَلب، واستطراداً إنسان فلسطيني مُعاد إنتاجه حسب الطلب. (ب) الأخطر أن الإسرائيلي، وهو يعمل على الفلسطيني مُنتظِراً تحويله مسْخاً، فاته أن التحوُّل الحقيقي طال الإسرائيلي، على نحو أصبح يُشكِّل خطراً على نفسه قبل أن يُشكِّل خطراً على الآخرين.

لا يتسع المجال الآن، بل ليس من مهام هذه المـُطالَعة استشراف مُستقبل إسرائيل في المدى المتوسِّط والبعيد، لكن، وارتباطاً بما تقدَّم، نُوجِز بالقول أن ثمة انقلاب بالأدوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن "تمشْرُق" إسرائيل على تسارُع فادِح وفاضِح جراء اختلال التوازن الدقيق بين العِلمانية والأيديولوجية الذي قامت عليه الصهيونية، لصالِح غَلَبة واضِحة للأيديولوجيا، مُمثَّلَة بتمادي ثقافة الإنكار، وإخضاع الواقِع للأيديولوجيا.

(12) إسرائيل ليست في قبضة الشعبوية أو حتى الفاشية، بل الغيبية التوراتية وروح الماسادا!

أعطيت لبحث المشروع الصهيوني وإسرائيل عُمرا، وأدركْت سِر قوَّته بما هو استخدام العَقْل والمنظومات الفكرية المتطورة، ما انعكس في استخدام كثيف للعِلم كمدْخَل في الاقتصاد والأمن والسياسة، بل والأيديولوجيا. لا زالت إسرائيل على كثافتها العِلمية، لكن الجديد هو أنها لم تلحَظ الانفصام المـُتزايد بين عقل إيديولوجي يُدير السياسة بإسرائيل، وبين عِلم يزداد في البنية التحتية لإسرائيل، لكنه ينحسر في بنيتها الفوقية والفكرية والسياسية.

لقد دخلت إسرائيل دائرة مُميتة مع توهَّمها أن القوة قادرة على تعطيل قوانين الطبيعة. حين نسيت نفسها وتجربتها، وهو أن قانون "الاضطهاد وسيلة تثقيف جماعي"، على ما قال بن غوريون يوماً، بما خصَّ اليهود، لا ينطبق على الفلسطينيين، الذين صاروا بشكل أو آخر يهوداً بالمعنى النبيل للكلمة وبوصفهم ضحية! الفلسطينيون ضحية نعم، لكن ليس فقط. هم أكثر من هذا. كانوا، وسيكونوا أكثر، خاصة وقد اقترن ألم الضحية بالإهانة.

 

موقعنا

أهلاً وسهلا بكم

إتصل الآن
مركز المعلومات البديلة
111 الشارع الرئيس - سوق الشعل
بيت ساحور - بيت لحم
فلسطين
+972 2 277 5445