+972 2 277 5445

Search our Site

20 حزيران 2020

قد يحصل الضم وقد لا يحصل، ولا شيء مؤكد بعد.  وفي كلتا الحالتين كسبت اسرائيل هذه المعركة. وما يبدو مؤكدا هو أن دولة الاحتلال لن تقدم على ضم كافة المناطق التي تتحدث عنها في الضفة الغربية إن لم تؤجله بالكامل. وإن أقدمت على الضم الجزئي سيكون من الصعب تصور انها ستقدم في هذه المرحلة على ضم الاغوار وتقامر بعلاقاتها مع الاردن واتفاقية وادي عراباه، وهي تدرك أن الاردن ورغم الضغوطات عليه، يفضل الغاء الاتفاقية رغم الثمن الاقتصادي والامني، اذا كان البديل هو وضع البنية لتأسيس مشروع الوطن البديل فيه. ومن اللافت هو الضغوطات ومساعي الابتزاز متعددة الاطراف عليه سواء من اسرائيل أم الولايات المتحدة أم العربية السعودية التي ستحظى بنفوذ في الاقصى إضافة الى النفوذ الاقليمي.

احد اخطر السيناريوهات الحالية هو الضم الجزئي المحدود، وجدولة المناطق الاخرى المرشحة للمشروع.لان الضم الجزئي هو الاكثر قابلية للتنفيذ، ويجعل اسرائيل تتجاوز اي ضغط عربي او توتر مع الادارة الامريكية، كما سيجد إجماعا صهيونيا واسعا، ولا يتنافى مع تقديرات المؤسسة الأمنية لتداعياته.

قليلة هي اللحظات التي تجتمع فيها كل الخيارات في خدمة دولة احتلال، وهذا هو الحاصل أيا كان القرار وكل الخيارات قابلة للتطبيق، بل أن ما سيحسم بينها هو الأولويات.

لا توجد مفاوضات بشأن الضم مع الفلسطينيين ولا مفاوضات حقيقية مع العرب. المفاوضات او مساعي التفاهمات الحقيقية هي حول صيغة التوفيق ما بين العقيدة السياسية الحاكمة والمؤسسة الامنية، وحول كيفية قراءة المصالح العليا لاسرائيل، وكيف تمهد لتوسيع نفوذها الاقليمي والعالمي، وذلك يخضع للقرار الامريكي أولا. ففي الخطوات الاستراتيجية كما في الحروب فإن جدواها تقاس بالقيمة الاضافية التي توفرها الخطوة في خدمة سياسة الدول ومصالحها.

إن الضم لا يتأسس على خطة ترامب او "صفقة القرن"، بل أن الاخيرة تأسست على الواقع الاحتلالي الاستيطاني على الارض وهو ما كان مدعوما امريكيا بشكل مطلق لأن دعم دولة الاحتلال هو دعم سياساتها ودورها، بما فيه الاحتلال. وهذا الاخير لم يعد مجرد سياسة دولة بل يجد مكانه في بنية دولة. وفي كلتا الحالتين فإن الضم سيبقى في نظر الشعب الفلسطيني والقانون الدولي احتلالا وغير شرعيّ كما هو الامر بالنسبة للقدس والجولان.

إن خارطة الضم تتطابق مع خارطة القضايا المؤجلة في اتفاقيات اوسلو، وعلى فرز الضفة الغربية الى مناطق "أ" و"ب" و"ج". يتحدث الضم عن مناطق "ج" اي الاغوار ومناطق الكتل الاستيطانية. كما أن هذه المناطق  تخضع بشكل تام أمنيّا ومدنيّا الى دولة الاحتلال، ووضعيتها من حيث الممارسة والحقائق على الارض لا تختلف عن الضم.

كما يتأسس المشروع الاحتلالي على البنية القانونية والتشريعية والقضائية التي تأسست على الاحتلال والاستيطان ونهب الارض والتهويد وجرى تغليفها جميعا بتسويغات توفر الدرع الليبرالية لإخفاء الاحتلال وشرعنة دولته وعدوانيتها واستيطانها. والجدير أن البنية القانونية التشريعية في جوهرها هي وليدة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني قبل 1948 وحتى اليوم.

لقد نجحت اسرائيل في ان تحدد هي جدول اعمال الفلسطينيين والعرب والعالم تجاه القضية الفلسطينية، وأن تبقى جدول الاعمال الفلسطيني والعربي على هامش القضية وليس في جوهرها. وينعكس هذا في أن كل الصخب الكلامي المهزوم محصور في الضم. ليس في المخطط الامريكي الغيبي ولا في الاحتلال الاسرائيلي ومشاريعه الاستيطانية الكبرى، ولا بقضايا فلسطين الكبرى العودة والتحرر الوطني وتقرير المصير، بغض النظر عن تفاوت الطروحات حتى ضمن هذا التعريف.

إنّ ما يحفز على الضم هو ثلاثة عوامل رئيسية وهي الادارة الامريكية الحالية كفرصة تاريخية كما يرى بها اليمين الحاكم، وسهولة الاحتلال الناتجة عن بؤس الحالة الفلسطينية والعربية، والعامل الثالث هو القاعدة الموسعة للائتلاف الحكومي وانضمام "كاحول لافان" اليها كحزب وسط يمين. فالضم كما إعلان حرب عدوانية، اسهل ضمن ائتلاف حكومي كهذا منه في حكومة يمين ضيقة.

 في المقابل فإن موقف المؤسسة الامنية الاسرائيلية هو أن الضم ليس في مصلحة اسرائيل، وأن الثمن السياسي والامني قد يكون كبيرا ويورّط اسرائيل في فقدان جزء من علاقاتها مع الانظمة العربية، وفي حال جرى توتّر امني في الضفة فمن شأن ذلك ان يؤدي للتوتر في الجبهة مع غزة، والى نقل اهتمام الجيش اليومي الى هذه المناطق على حساب تطوير جهوزيته على الجبهة الشمالية حسب اولويات الجيش وتقديراته واستخباراته العسكرية. على الرغم من هذه التقديرات فإن الجيش الخاضع لقرارات الحكومة، قد بدأ في اعداد وحداته للتحوّل السريع من الرتابة اليومية الى وضعية طواريء.

واذ تعدّ اسرائيل لاجراء تعداد سكاني في المناطق المرشحة للضم اي المناطق ج، والبالغ عدد سكانها حوالي الستين ألفا حسب معطيات الاحتلال، فذلك لضمان عدم نزوح عشرات الالاف من سكان الضفة الغربية الى هذه المناطق قبيل حدوث الضم، ولذلك فإن مخطط التعداد يتضمن قيام طواقم "الادارة المدنية" الاحتلالية بدخول البيوت في هذه المناطق وبحماية وحدات الجيش.

كما أن الضم يحظى بمعارضة اوساط متنفذة في المؤسسة الامنية الامريكية التي تضع في راس سلم اولوياتها المصالح الكونية للولايات المتحدة. وهؤلاء يرون به منافيا لمصالح الدولة العظمى حتى ضمن تفسيرهم وادراكهم لصفقة القرن التي يشكل الضم مركّبا واحدا فيها لا أكثر.

إن مساعي القيادة الفلسطينية وبالذات الدبلوماسية لا يستهان فيها رغم ضعفها، ومحاولات تحميل كل المسؤولية على هذه القيادة فيها من عدم الانصاف. المسؤولية الفلسطينية في تردي الوضع كبيرة، وللاسف لا توجد آليات محاسبة واستخلاص نتائج معمول بها. لكن المسألة هنا تخضع للخلل الهائل في توازن القوى، في ظل الادارة الامريكية الحالية وعدوانيتها المفرطة، وفي ظل انتقال عدد من الانظمة العربية الى خانة الاصطفافات الملتقية مع المحور الامريكي الاسرائيلي والمتصالحة معه على حساب قضية فلسطين.

في مقاله في يديعوت احرونوت يطرح السفير الامارتي لدى واسنطن يوسف العتيبة، صيغة مفادها ان على اسرائيل الاختيار إما الضم واما التطبيع. وبهذه الصيغة فإنه يمنح من جهته الضوء الاخضر لاسرائيل لمواصلة الاحتلال كما هو، لكن دون اعلان الضم. كما أن صيغته تمنح اسرائيل مساحة المناورة لاجراء ضم جزئي ومعه اعلان نوايا لحدود الضم المستقبلي.

وعمليا حسب العتيبة وفي حال جمدت اسرائيل الضم فإن مساحات التطبيع ستتسع حتى بخلاف ما نصت عليه "مبادرة السلام العربية" 2002 وهي وثيقة تأسيسية في سياق التطبيع. وجدير الاشارة هنا الى أن اسرائيل ليست معنية بالتطبيع بمفهومه الواسع اي مع الشعوب العربية بل فقط خلق علاقات تبعية لانظمة عربية بها وبالولايات المتحدة، وبلورة اصطفافات وتحالفات عسكرية واقتصادية في مواجهة "تهديدات العدو المشترك على المنطقة وعلى السلام العالمي" ايران. وفي الوقت ذاته فإنها لا تريد التطبيع مع الشعوب العربية لأنها تعرف كنهها ومنسوب العداء لها، كما أنها لا تريد أن تفتح حدودها لملايين طالبي العمل وهجرة الفقر من الدول العربية. ويوجز فوائد التطبيع بامن اكبر وباتصالات مباشرة وباسواق موسعة وقبول متنام.

إن العتيبة وما يمثله في النظام العربي قد اختار يديعوت احرونوت منصة له، وهو عمليا يجعل الاحتلال منطقيا وشرعيا بدون ضم أكثر منه مع ضم.  ولم يكن هذا المقال ذا شأن لو لم يكن يمثل سياسة دولية بما فيها عربية متعددة الاطراف تسعى الى التخلص حتى من تبعات الموقف العربي الرسمي المذكور منذ العام 2002 والذي شرّع موضوعين جوهريين على حساب الحق الفلسطيني وهما تثبيت مبدأ تبادل الاراضي، ورهن حق عودة اللاجئين بالتوافق (غير الممكن) مع اسرائيل. كل هذا في سياق التمهيد الرسمي العربي للتطبيع مع اسرائيل وفك الارتباط بينه وبين القضية الفلسطينية.

هناك حقيقة ثابتة وهي أن الاحتلال الذي من المفترض ان يكون مؤقتا، هو حالة ثابتة الى ان تتغير موازين القوى، وإلى أن يبلغ درجة يصبح فيها عبئأ على اولويات الدولة المحتلة. ومهما كان فإن الاحتلال لن يصبح عبئا على أصحابه من خلال مواقفهم، ولا يسقط من تلقاء نفسه، فكم بالحري حين يكون الحديث عن احتلال هو جزء من استعمار استيطاني إحلالي.

اعتقد انه آن الاوان ان تخاطب قيادة م ت ف الشعوب العربية مباشرة، وتحثها على التحرك وتشكيل قوة ضاغطة على انظمتها بالاضافة الى الشعبين الاردني الأكثر جهوزية لمثل هذا التحرك وبالتوافق الى حد كبير مع اولويات المملكة، والشعب المصري المناويء للتطبيع. ورغم الحرج من تفسير ذلك بأنه تدخلا في الشؤون الداخلية للدول المعنية، لكن الحقيقة هي أن الانظمة المتصالحة مع اسرائيل والمروجة للمشاريع الاسرائيلية الامريكية، تتدخّل بشكل فظ في الشأن الفلسطيني الداخلي بعد أن تخلت عن كون فلسطين قضية العرب الاولى. الانتقاص من الحق الفلسطيني هو تدخل. كما أن قيام الانظمة العربية وبالذات الخليجية ببناء اصطفافات فلسطينية تعمل في خدمتها مقابل تمويلها ودعمها فإن هذا مؤشر الى أن التدخل العربي القُطري في الشأن الفلسطيني بات بنيويا.

بالاضافة الى ذلك تستطيع القيادة الفلسطينية التوجه لاستنهاض الحركة العربية لمناهضة التطبيع من البحرين وعُمان مرورا بالسعودية وحتى المغرب العربي، لتقول كلمتها قبل ان تصادر انظمتها كلمتها. فالتطبيع ومناهضته باتا شأنا داخليا في كل بلد عربي وشأنا قوميا على السواء. وهي فرصة تاريخية لهذه الحركة. وعلى سبيل المثال لا الحصر منعت السلطات البحرينية قبل بضعة اسابيع انعقاد ندوة افتراضية لمناهضة التطبيع في لحظة بثّها. وهذا مؤشر لدور بعض الانظمة، ولضرورة خلق اصطفافات لحراكات عابرة للدول القطرية وعلى مستوى العالم العربي.

هذا الدور ليس محصورا بالقيادة الفلسطينية بل بقدرة كل القوى السياسية والمجتمعية والمؤسسات الثقافية والنخب وقيامها بهذا الفعل تجاه محيطنا العربي وتجاه حركات التضامن في العالم ككل.

وإذ أن متطلبات ما يسمى ترتيب البيت الفلسطيني غير متوفرة حاليا، إلأ أن الحاجة ملحة لاتخاذ خطوات في هذا الاتجاه واولها إتاحة المجال للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده بأن يقول كلمته وبالذات في الضفة وغزة ورفع التحديات والتحرر من سياسة قمع الحريات وحصرها في مقاسات هذا الفصيل او ذاك.

 حين تكون البدائل المتاحة هي احراز نقاط قليلة في معارك صغيرة قياسا بالمعركة الكبرى، فلا بأس بذلك، إذ أنّ مراكمة هذه النقاط أن تؤسس لاستعادة عزيمة الشعب.

افشال الضم أو عدم اقدام إسرائيل ومن منطلقاتها على تنفيذه هو مسألة ذات شأن، لكنا في صباح اليوم التالي سنجد ان الاحتلال جاثم كما الاستيطان، وان بنية الضم تتعزز.

المعركة مفتوحة وطويلة ولن يحسمها مشروع الضم، لكن أحد التحديات هو في تحويل الحراك الشعبي والرسمي الفلسطيني والعربي ضد الضم الى حراك متواصل حتى اسقاط الاحتلال وإحقاق الحق الفلسطيني.

 

موقعنا

أهلاً وسهلا بكم

إتصل الآن
مركز المعلومات البديلة
111 الشارع الرئيس - سوق الشعل
بيت ساحور - بيت لحم
فلسطين
+972 2 277 5445