+972 2 277 5445

Search our Site

المطلوب : تصفية الأردن لكي يتم تشريع تصفية قضية فلسطين

ليتني كنت حمارا وحشيا!
16 حزيران 2020
وقف حمار وحشي في سهوب إفريقيا الأم، أطرق برأسه حزينا وهو يتابع ما يجري من ويلات وجنون وبؤس في المجتمعات التي تدعي الإنسانية والحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان. سرح بنظره في السهوب الممتدة وقال: أي حمقى أنتم أيها البشر، ما هذا الجنون والقباحة؟. ماذا تفعلون، كيف تبيدون ذاتكم بسبب اللون أو غيره؟ هل تعون ما تفعلون؟.
انظروا إليّ جيدا ها أنذا، فهل أنا أبيض أم أسود؟ وهل يمكن أن أكون أنا أنا إذا عبثت بجوهري الطبيعي؟.
ألا ترون أنني جميل بذاتي ولذاتي ولم يخطر ببالي لحظة أنني في حالة تناقض.
إنني جميل كما أنا، تشكلت هكذا عبر صيرورة تعود لملايين السنين، فتكونت على أجمل وأكمل ما يكون، ولا يشغلني شئ حول طبيعتي وماهيتي.
لو سرت على طريقكم لكنت اليوم مجرد "إنسان حمار" غبي وحشي أمزق ذاتي لكي أتخلص من هذا اللون أو ذاك. يعني حمار عنصري.
هل تعلمون إيها "الحضاريون" جدا أن العنصرية والتمييز القائم عليها تشكل ذروة البشاعة الواعية في تناقضها المهين مع الطبيعة والقيم الإنسانية النبيلة التي تدعونها والتي تتمحور – كما أعرف- على الإنسان ككائن اجتماعي مشروط بقاءه موضوعيا وذاتيا باحترام وتعزيز المبدأ التكويني الإبتدائي: التضامن الإنساني من أجل البقاء ومواجهة المخاطر والتحديات والمشاكل المتواصلة على مختلف الصعد.
العنصرية أيها البائسون بكل ما يترتب عليها من ثقافة وممارسة متعاكسة بالمطلق من بديهة الوحدة في التنوع الطبيعي، الذي هو شرط بقاء الحياة، حياة الإنسان والنبات والحيوان وتوازن البيئة.
والعنصرية هي الإبن الشرعي لنظم الهيمنة والاستغلال والسيطرة والنهب والتملك والجشع والأنانية الضيقة التي أنشأتموها، والتي تهبط بالتنوع والاختلاف الطبيعي وتجعل منه مبررا للسيطرة والتمييز الدوني والإبادة الاجتماعية والجنسية والثقافية والقومية.
والعنصرية لكي تكون وتزدهر تنشئ منظومات عميقة وممتدة وشاملة:
العنصرية الجنسية ضد المرأة، العنصرية العرقية، عنصرية اللون، العنصرية القومية، والدينية والطائفية.
وبقليل من التدقيق تجدون أن هدف العنصرية النهائي هو السيطرة والنهب والسرقة والاستغلال الوحشي.
ولكي تبرر أنظمة ومنظومات العنصرية ذاتها فإنها تخلق وتؤسس أيديولوجيتها الخاصة التي تقوم على:
- التفوق العرقي
- أنها ذات رسالة أخلاقية وإلهية
- وأن التميز والتفوق للجماعات العنصرية هو معطى طبيعي.
- ثقافة التمركز على الذات.
- الاختلالات الاجتماعية والتاريخية كالتخلف والتقدم هي بسبب الاختلافات الطبيعية والقصور والعجز العقلي الوراثي وليس بسبب النهب وعلاقات القوة والاستعمار والهيمنة والقهر والاستعباد.
- الاختلافات البيولوجية (الأنثى والذكر، الأبيض والأسود..) هي تعبير عن اختلالات بنيوية تبرر الإهانة والتمييز والاستغلال والإخضاع والعنف.
أنهى الحمار الوحشي مطالعته، صمت قليلا، هزّ ذيله ثم قال سأروي لكم الآن قصة جميلة قرأتها بعنوان "نعم... أفتخر أنني "حمار ابن حمار"! وهي بالمناسبة لكاتب شاعر من جنسكم اسمه أحمد مطر، تقول القصة:
"ذات يوم أضرب حمار عن الطعام مدة من الزمن، فضعف جسده وتهدّلت أذناه، وكاد جسده يقع على الأرض من الوهن، فأدرك الحمار الأب أن وضع ابنه يتدهور كل يوم، وأراد أن يفهم منه سبب ذلك، فأتاه على انفراد يستطلع حالته النفسية والصحية التي تزداد تدهورا . فقال له: ما بك يا بني ؟؟ لقد أحضرت إليك أفضل أنواع الشعير.. وأنت لا تزال رافضا ً أن تأكل ..أخبرني ما بك ؟ ولماذا تفعل ذلك بنفسك ؟ هل أزعجك أحد؟.
رفع الحمار الابن رأسه وخاطب والده قائلا :
نعم يا أبي .. إنهم البشر.
دُهش الأب الحمار وقال لأبنه الصغير:
وما بهم البشر يا بني؟
فقال له: إنهم يسخرون منّا نحن معشر الحمير .
فقال الأب وكيف ذلك ؟
قال الابن: ألا تراهم كلما قام أحدهم بفعل مشين يقولون له يا حمار! وكلما قام أحد أبنائهم برذيلة يقولون له يا حمار! أنحن حقا كذلك ؟ يصفون أغبياءهم بالحمير . ونحن لسنا كذلك يا أبي . ننا نعمل دون كلل أو ملل. ونفهم وندرك ، ولنا مشاعر ..
عندها ارتبك الحمار الأب ولم يعرف كيف يردّ على تساؤلات صغيره وهو في هذه الحالة السيئة، ولكن سُرعان ما حرّك أذنيه يُمنة ويسرة ثم بدأ يحاور ابنه محاولاً إقناعه حسب منطق الحمير.
انظر يا بني إنهم معشر البشر خلقهم الله وفضّلهم على سائر المخلوقات لكنّهم أساؤوا لأنفسهم كثيرا ً قبل أن يتوجهوا لنا نحن معشر الحمير بالإساءة.
فانظر مثلا ً.. هل رأيت حمارا ً خلال عمرك كله يسرق مال أخيه؟؟ هل سمعت بذلك؟ هل رأيت حماراً يعذب بقية الحمير ليس لشيء إلا لأنهم أضعف منه، أو أنه لا يعجبه ما يقولون؟ هل رأيت حماراً عنصرياً يعامل الآخرين من الحمير بعنصرية اللون والجنس واللغة؟ هل سمعت عن قمة حمير لا يعرفون لماذا مجتمعين؟ هل سمعت يوماً ما أن الحمير الأمريكان يخططون لقتل الحمير العرب !! من أجل الحصول على الشعير؟ هل رأيت حماراً عميلاً لدولة أجنبية ويتآمر ضد حمير بلده؟ هل رأيت حماراً يفرق بين أهله على أساس طائفي؟ طبعا لم تسمع بمثل هذه الجرائم الإنسانية في عالم الحمير !! ولكن البشر هل يعرفون الحكمة من خلقهم ويعملون بمقتضاها جيدا؟ لهذا يــــا ولدي أطلب منك أن تحّكم عقلك الحماري، وأطلب منك أن ترفع رأسي ورأس أمك عاليا ً، وتبقى كعهدي بك *حمار ابن حمار*، واتركهم يــا ولدي يقولون ما يشاؤون. فيكفينا فخراً أننا حمير لا نــكـــذب، لا نـقـتـــــل، لا نــســـرق، لا نـغـتــــاب، لا نــشــتـــم ، لا نرقص فرحـا ً وبيننا جريح وقتيل.
أعجبت هذه الكلمات الحمار الابن فقام وراح يلتهم الشعير وهو يقول: نعم سأبقى كما عهدتني يا أبي. سأبقى أفتخر أنني حمار ابن حمار ثم أكون ترابا ً ولا أدخل النار التي وقودها الناس والأحجار".
أنهى الحمار الوحشي الجميل والشجاع حديثه، ثم مضى يركض ببهجة عفوية عارمة وغاب في القطيع، فلم يعد بالإمكان تمييزه عن غيره.
***
ليتني كنت حمارا وحشيا وليس إنسانا وحشيا!.

في الشرق، يطبق القهر على حياة البشر. الأوطان أصبحت قهراً يجثم فوق صدور العباد. الحق مقهور، والفرح مقهور. الأعشاب مقهورة وكذلك القبور. وكلما كثر القهر تكبر الأوطان، وقهر بعد قهر تتسع الخيبات، وتتدحرج الأحلام خلف غبار الموت، مثل أشباح صامتة تنوح على جثث بلا عيون.
قهر يتواتر كما أزقة الخراب في مدن الرعب. قهر فاحش. أباطرة فاجرون افترشوا أرائك الحكم ديباجاً وحريراً، ووسائداً من المخمل والريش. ورعية افترشت بساط الشقاء والضنك، وأسندت ظهرها إلى أحجار اليأس والحرمان. رعية وشعوباً فقدت أكثر من ثلاثة أرباع عافيتها، ونزفت أحلامها التي حوّلها الحكام إلى طائرات ورقية يلهون بها مع أطفالهم. شعوب أدركت بعد ثلاثة أرباع القرن من الأمنيات الكبيرة والتطلعات الواسعة أن أحلامها كانت وهماً، وأن كل ما حدث قد جرى رغماً عنها، وأن كل ما يجري الآن وما سوف يكون، سيحدث أمام ناظريها، ولا شيء يحول اللحظة بينها وما يجري تمريره حتى لو استعانت بعمالقة الأساطير ومَرَدَة الخرافات.

في قصور الشرق مجون وفسق وعري، وفي الطرقات نساء نائحات. في ليلهِ تترنّح رؤوس القوم ويعلو ضجيجها، وفي الصباح تُغمد السيوف وتذوب اللغة. شرق فيه أمة قتلت ضميرها، قتلت كل شيء، وباعت كل شيء. حكّام يصولون ويجولون في الميادين مزهوين بالنياشين، يجزون أعناق العباد، لكنهم في حضرة أسيادهم يموؤون كالقطط في العراء.

لا شيء يقطع هذا القهر، لا شيء. ولا يبدو ما يبشّر. العتمة الضبابية تغلق الأفق وتمتص تفاصيل الأشياء. وهدير عربات جنود جيش الاحتلال تعلو في القرى والمدن الفلسطينة. نحيب الأمهات الثكلى في فلسطين وسورية والعراق واليمن وليبيا. عويل الأطفال الذين يتفتّح وجعهم الصامت على العتمة القتيلة والعفن المتكدّس في العواصم. لا شيء يقطع القهر سوى أصوات القهر الخالد في الشرق، وعتمة الزنازين وسواد أقبية السجون والمعتقلات، التي أصبحت أكثر من المدارس والمكتبات والحدائق، في شرق يمتلك القابلية لكل عهر ولكل قبح، سوى العافية.

موقعنا

أهلاً وسهلا بكم

إتصل الآن
مركز المعلومات البديلة
111 الشارع الرئيس - سوق الشعل
بيت ساحور - بيت لحم
فلسطين
+972 2 277 5445