+972 2 277 5445

Search our Site


كلما ألمّت بشعب عربي مصيبة أو كارثة ينظر حوله مفجوعا ويصرخ "أين العرب!؟". والفلسطينيون عادة هم أكثر من أدمن هذا السؤال أو الصرخة وكأنهم لم يتعلموا من التاريخ شيئا.
أما الأكثر مدعاة للسخرية فهي تلك الدهشة التي تداهمنا حين يقدم بعض هؤلاء "العرب" على خطوات ومواقف تناقض مئة وثمانين درجة أمنياتنا الساذجة. فهل المشكلة في هؤلاء أم فيمن يراهن عليهم!؟.
"أين العرب!؟"؛ هذا السؤال أو الصرخة بقدر ما يبدو سؤالا مباشرا وواضحا، إلا أنه يؤشر لعمق الغفلة والسذاجة.
فحين يغيب العقل أو يُغيَّب يلتبس الوعي والموقف. يحدث ذلك تحت ضغط اللحظة والاستنفار الوجداني أو الرهان العاطفي. كما قد يحدث بسبب القصور في قراءة الواقع ومعادلاته والعوامل المقررة فيه.
الالتباس الذي تثيره هذه الصرخة أو السؤال، ناجم عن الاعتقاد الافتراضي القائم على مقاربة أخلاقية مجردة، فيأتي سؤال: "أين العرب!؟" بما يشبه صدى صرخة "وامعتصماه"، وكأن مجرد لفت نظر هؤلاء "العرب" إلى ما تقوم به إسرائيل في فلسطين من قتل وتدمير، أو عند تعرض أمرأة فلسطينية أو طفل أو فلاح للإهانة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي أو مستوطنيه سيكون كافيا لاستفزاز مروءتهم فينهضون للمجالدة. إشكالية هذا الالتباس تكمن في الوعي الشعبي الذي يصدق أن هؤلاء لمجرد كونهم عربا فهذا يعني أنهم حريصون على الأوطان والحقوق القومية والمقدسات وكرامة الإنسان العربي، وسيبادروا فورا لنصرتهم.
وبالرغم من امتلاء الذاكرة الفلسطينية بالأحداث والكوارث المتواصلة، فقد بقي هذا السؤال بدون صدى أو نتيجة، ذلك لأنه وبكل بساطة سؤال لا يقول ولا يعني شيئا، ولا يقصد أحدا بعينه فيضيع كالصدى، ويبقى مجرد صرخة في الفراغ.
هذا الواقع يفرض إعادة صياغة السؤال/ الصرخة بما يحدد بالضبط من وما المقصود به، حينها يمكن وعي إمكانية الفعل من عدمها.
لهذا فإن السؤال الأكثر وضوحا وتحديدا ليس "أين العرب" بالمعنى العام والهلامي، بل أين العرب بما هم حكومات وأنظمة ومستويات سياسية بيدها القرار ومخولة باتخاذ المواقف والمبادرة، وليس "العرب" بالمعنى الفضفاض.
هكذا يستعيد السؤال وضوحه وتحديده، وينتقل من وضعية الغضب والقهر الوجداني الشعبي إلى موقع المحاكمة المباشرة لمن يملك القرار وتحديد السياسات والمواقف.
الآن نعيد طرح السؤال: أين الحكومات والقيادات والزعامات العربية من كل ما يجري في فلسطين وعليها؟. هكذا يمكن أخذ السؤال من يده ليتعامل مع جهات مقررة، بما يفرض استجواب المضمون، بمعنى: من هي القوى الاجتماعية (الطبقية) التي تمثلها هذه الحكومات والأنظمة؟ وبالتالي هل بمقدورها أن تتخذ مواقفها بعيدا عن طبيعتها وبعيدا عن مصالح الطبقات التي تمثلها؟ وهل تملك حرية القرار بعيدا عن تبعيتها وخضوعها السياسي والاقتصادي؟.
بمعنى: هل بمقدورها أن تخون ذاتها ومصالحها الطبقية؟.
الإجابة على هذا السؤال المحدد بعمق ووضوح سيكشف لنا جدوى السؤال وجديته، كما سيكشف مدى السذاجة التي تحكم وعي من يطالب تلك الحكومات والأنظمة بتجاوز دورها ووظيفتها المتمثلة بحراسة مصالح الطبقات التي تمثلها بما في ذلك حراسة مصالح الدول التي تهيمن على سياساتها وقراراتها.
هناك قول ماركسي شهير "رأس المال ليس له وطن"، والمقصود بذلك أن السلطة التي تتجسد في الحكومة وقيادة الدولة هي سلطة تمثل مصالح طبقية محددة، وبالتالي فإن الوطن بالنسبة لها مجرد فرصة للسيطرة والنهب والاستغلال. وعليه فإن مطالبتها بدور أو مواقف أو سياسات أو سلوك يتجاوز أو يتناقض مع تلك المصالح هي مطالبات مثالية، غير واقعية بل وساذجة (إلا إذا كانت الطبقة المسيطرة هي فعلا طبقة برجوزية وطنية مكتملة وممتلئة بذاتها كما هو الحال في البلدان ذات الدول القومية القوية).
هذه الحقيقة، أقصد حقيقة "الطبقات" المهيمنة الهشة والمستلبة والجبانة نجدها مجسدة في معظم الحكومات والأنظمة العربية منذ عقود، ذلك لإنها جزء من حلف طبقي عالمي، وبالتالي فهي ملتزمة بمصالح هذا الحلف، وعليه فالأوطان بالنسبة لها مجرد مزارع لنهب الثروات والإثراء، لهذا فإن معظم تلك الأنظمة هي في بنيتها وسلوكها وأدائها أنظمة وظيفية، بالضبط كما السماسرة والوكلاء للرأسمال العالمي لا أكثر.
لهذا، فإنها من أجل حماية بقائها ومصالحها ودورها الوظيفي تبني منظومات السيطرة والقهر والهيمنة الشاملة المباشرة وغير المباشرة، السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية والإعلامية والثقافية والأمنية بما يترجم قول ماركس "إن الدولة هي مجرد خادم عند أبواب البرجوازية".
ذلك لأن هذه المنظومات القهرية تستهدف حماية وجود ومصالح الطبقة السائدة واحتلال الوعي الشعبي وقهره، ومن يتجاوز ويتجرأ على المعارضة والمبادرة والتمرد فإنها تسحقه بلا رحمة. هذا بالضبط ما قصده لينين بقوله "إن البرجوازية هي أول من يضع الحرب الأهلية على جدول أعمالها حين تتعرض مصالحها للتهديد". حينها لا يهمها لا وطن ولا وحدة وطنية. بل وهي مستعدة دائما للاستنجاد بالقوى الاستعمارية الأجنبية لتحافظ على سلطتها ومصالحها.
هذه الطبقات [ هنا أستخدم مفهوم الطبقة بتحفظ شديد] الأنانية المتوحشة والمتخلفة هي ربيبة الرأسمال العالمي المتوحش، وهي في واقعنا العربي "طبقات" هشة وغير أصيلة، فهي لا تملك تراثا في الوطنية واحترام الذات، ذلك لأنها "طبقات" غير منتجة، إنها "طبقات/مجموعات" عائلية ريعية استهلاكية (طفيلية) تراكم ثرواتها من بيع ثروات الشعوب الطبيعية كثمن مقابل قيامها بوظيفتها كسماسرة ووكلاء للشركات والرأسمال الأجنبي. إنها "طبقات" انتقامية جاهلة وجبانة، لا تظهر "شجاعتها" إلا حين تواجه شعوبها، بينما في علاقتها مع مرجعياتها وأربابها الخارجيين تكون خاضعة ومستلبة.
بطبيعة الحال الحديث هنا عن السمة الغالبة في معظم الدول العربية وليس كلها، فهناك بلدان استطاعت بطريقة ما أن تؤسس بدايات تجارب لرأسمال وطني وأنظمة أو حكومات وطنية بنسبة أو أخرى (سورية، العراق، اليمن، تجربة عبد الناصر في مصر، الجزائر). لهذا كانت هذه التحارب والمحاولات هدفا دائما للعداء من قبل الأنظمة التابعة والهشة ومن قبل الدول الاستعمارية التي ترفض قيام أي دولة عربية وطنية أو قومية مستقلة وذات سيادة.
وبالعودة لسياق النقاش، نجد أن غالبية تلك الأنظمة العربية وعلى مدار تاريخها كانت قوة قهر وقمع دموي ضد القوى السياسية والمثقفين والطبقات الاجتماعية الشعبية التي تهدد مصالحها، فأعدمت واغتالت واعتقلت، وأطلقت العنان لأجهزتها الأمنية لنشر الرعب والخوف بين الناس.
هذا الواقع هو الذي يفسر لنا سلوك وتوطؤ هذه الأنظمة. فكيف تستقيم المعادلة بمطالبة أنظمة تقف في حلف واحد مع إسرائيل باتخاذ سياسات ومبادرات فاعلة لمواجهة مشاريع إسرائيل في فلسطين والدول العربية؟.
كيف يمكن مطالبة السعودية والإمارات والبحرين وغيرها، بموقف جدي فاعل تجاه القضية المركزية للأمة العربية قضية فلسطين (وهي التي تهدي ترامب في رمشة عين مئات مليارات الدولارات ) ليضمن بقاء أسرها الحاكمة على كراسيها، في سياق تحالفها وتبعيتها الإستراتيجية للولايات المتحدة حارسة إسرائيل الأزلية؟.
كيف يمكن مطالبة تلك الحكومات بمواقف قومية وهي التي استخدمت كل سلطتها وأموالها من أجل احتلال وتدمير العراق، واستنجدت بالناتو لتدمير ليبيا، ثم حشدت كل العصابات الإرهابية وصرفت مئات مليارات الدولارات لتدمير سورية، وهي ذاتها التي تخوض منذ سبع سنوات حربا وحشية دموية ضد شعب اليمن!؟ كيف لتلك الأنظمة أن تقف مع قضية فلسطين وشعب فلسطين في مواجهة من تقف معهم في ذات الخندق الواحد!؟.
لكي نفهم هذا الدور الوظيفي بدون التباس أو رهانات عاطفية قاصرة، علينا البحث في علم الاقتصاد السياسي لوعي الطبيعة الطبقية لتلك الأنظمة والقوى المتحكمة بالقرار السياسي. حينها لا يعود هناك ما يثير الاستغراب. والأهم أن ذلك يشكل شرطا حاكما لمغادرة وهم الرهان على قوى هي جزء عضوي من القوى المناهضة لمصالح وحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.
هذا يعني توجيه البوصلة من جديد للشعوب العربية المقهورة بسبب سياسات حكوماتها، بما يمهد ويهئ لوعي التحديات والمشاكل والأزمات التي تعاني منها تلك الشعوب مما يجعلها موضوعيا وفعليا في حال ليست أفضل من حال الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال.
هذا هو الخيار الإستراتيجي القومي العلمي، وغير ذلك سيستمر الركض وراء سراب تلك الأنظمة والحكومات التي لا يعنيها سوى مصالحها التي هي فوق أي اعتبار وطني أو قومي أو ديني أو مقدس.
هذا يفرض ضرورة وعي الواقع وبناء الرؤية من منطلق علمي يدرك جوهر صراع الطبقات كمحدد للسياسات والخيارات. والتوجه للشعوب العربية وقواها السياسية التي عليها أن ترى نفسها كمكون عضوي في المواجهة بما يشكل ردا واضحا على الثقافة "القُطْرية" الانعزالية الناجمة عن مشاريع التمزيق والتقسيم منذ سايكس بيكو وحتى اليوم، بما يممهد لتأسيس بداية رد على سياسة الهيمنة والتبعية للقوى الكولونيالية المتوحشة. هكذا تتكامل حلقات المقاومة العربية انطلاقا من وحدة المصير ووعي الأبعاد والأهداف الاستراتيجية للحلف المعادي الذي يشتغل على تشويه وتغييب الوعي الجمعي العربي وحشره في زوايا القطرية والثقافة القبلية والطائفية الضيقة والسيطرة على مقدرات الأمة العربية البشرية والطبيعية والجغرافية ونهبها سواء بصورة مباشرة أو من خلال أدواته الطبقية الوظيفية الداخلية. وغير ذلك سنبقى نستصرخ أنظمة وطبقات مستحيل أن تخون مصالحها الذاتية وحلفاءها حتى لو أنشق الديك صياحا.


لاراء الواردة في المواد المنشورة على صفحه مركز المعلومات البديله- فلسطين تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المؤسسه.
The opinions expressed in the articles published on the Alternative Information Center – Palestine web sites and social media, express the opinion of its author and do not necessarily express the opinion of the institution.

موقعنا

أهلاً وسهلا بكم

إتصل الآن
مركز المعلومات البديلة
111 الشارع الرئيس - سوق الشعل
بيت ساحور - بيت لحم
فلسطين
+972 2 277 5445